ابن العربي

546

أحكام القرآن

قد أذنّا لك يا رسول اللّه . قال : أجل ، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ، قال أبو رافع : فأمر أن نقتل الكلاب بالمدينة ، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها ، فتركته وجئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبرته ، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فجاءوا فقالوا : يا رسول اللّه ؛ ما يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ، فسكت فأنزل اللّه هذه الآية . المسألة الثانية - في قوله تعالى : الطَّيِّباتُ : وهي ضدّ الخبيثات ، وقد أشرنا إليه في سورة البقرة ، والطيب ينطلق على معنيين : أحدهما - ما يلائم النفس ويلذّها . والثاني - ما أحلّ اللّه . والخبيث ضده ، وسيأتي تحقيقه في سورة الأنعام « 1 » إن شاء اللّه تعالى . المسألة الثالثة - قوله تعالى : مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قيل : معناه الكواسب ، يقال : جرح إذا كسب ، ومنه قوله تعالى « 2 » : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ؛ فكلّ كاسب جارح إذا كسب كيفما كان ، وممن كان ، إلا أنّ هاهنا نكتة ، وهي أنّ اللّه تعالى قال : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ . فنحن فريق والطيبات فريق ، وما علمتم من الجوارح فريق غير الاثنين ، وذلك من البهائم التي يعلمها بنو آدم ، وقد كانت عندهم معلومة وهي الكلاب المعلمة ؛ فأذن اللّه سبحانه وتعالى لهم في أكل ما صيد بها على ما بيّناه « 3 » آنفا إن شاء اللّه تعالى . المسألة الرابعة - فإن قيل : فما يبين ذلك تحقيقا ؟ قلنا : يبيّنه ظاهر القرآن والسنة ؛ أما ظاهر القرآن فقوله : مكلّبين . كلّب الرجل وأكلب إذا اقتنى كلبا . وأما السنّة فالحديث الصحيح لجميع الأئمة ؛ قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : من اقتنى كلبا ليس بكلب ماشية أو صيد « 4 » نقص من أجره كل يوم قيراطان . والضاري : هو الذي ضري الصيد في اللغة . وروى جميعهم عن عدى بن حاتم قال « 5 » : قلت : يا رسول اللّه ؛ إنّى أرسل الكلاب المعلّمة

--> ( 1 ) في ا : الأعراف . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية 60 . ( 3 ) في ل : ما نبينه . ( 4 ) في ا : أو ضار . ( 5 ) صحيح مسلم : 1529 .